محمد أبو زهرة
208
المعجزة الكبرى القرآن
ولا نعرف الأسباب التي علت به ، وليس هذا من الصرفة ، كما ذكرنا ، إنما الصرفة أن نعرف قدره وقدرتنا على مثله ، ولكن ننصرف عن ذلك . وإن القرآن ليس من قبيل ما اصطلح عليه الناس في علوم البلاغة ، فليس نثرا مرسلا كما ذكرنا ، لأن النثر المرسل ليس له نغم مؤتلف ، وهو في قدرة كل إنسان بليغ ، وقد تلونا عليك بعض الآيات في الأحكام الشرعية ، فرأينا ائتلافا في النغم ، وروعة في البيان ، لا تجعلانها كلاما مرسلا كسائر الكلام ، فإنك واجد التآخي بين الألفاظ والتناسق في الأسلوب ، والمعاني التي تتداعى ويأخذ بعضها بحجز بعض ، وكل كلمة تومئ إلى أختها . ولنضرب مثلا من الكلام الذي ليس فيه ما يشبه السجع ولا القافية ولا الازدواج ولا الشعر ، اقرأ قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ ( 95 ) فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 96 ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ( 97 ) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ( 98 ) [ الأنعام : 95 - 98 ] . إنك واجد في كل كلمة مع أختها إشراقا ، وصورا بيانية ، لقد ذكر سبحانه ، كيف يخلق الحب فيكون زرعا ، إذا أتى حصاده أكل منه الإنسان والحيوان ، وازّينت به الأرض ، وأتت من كل زوج ، وغير ذلك من الصور والأحياء ، ثم التعبير بفالق النوى ، وكيف يخرج من النوى الدوحة الباسقة الوارفة الظلال ، والأشجار الدانية القطوف ، واليانعة الثمار ، ثم كيف يعطر الوجود بالرياحين والزهور من هذه النواة اليابسة ، وكيف يخرج سبحانه وتعالى من التراب أحياء ، ومن الحب الجامد والنواة الصلبة غصونا حية ، وزروعا رطبة ، وكيف تدور الحياة إلى موت ، فيخرج الميت من الحي وإن ذلك مرئى ، وإنما ينبت الزرع ويخضر ، ويستوى على سوقه بعد أن يخرج شطأه ، ثم يصير حطاما . ثم بين سبحانه أن الذي فعل ذلك هو سبحانه في إشارات بيانية ، فيها استعلاء ، وفيها توجيه بأبلغ ما يكون التوجيه ، ثم كان الختام باستفهام إنكاري وتعجب ، لأن الأمر يستدعى التعجب في ذاته ، ثم ختم الكلام بختام فيه رنات قوية لائمة في معناها . ومنبهة للعقول في نغمها وفي موسيقاها ، ثم جاء بعد البيان عن الأرض وما فيها من زرع وضرع ، وباسقات - إلى السماء ، وما فيها من بروج وأفلاك ونجوم وشمس وقمر ،